السيكوباتية: حين يرتدي الاضطراب قناع العقل السليم من «قناع العقل السليم» عند هيرفي كليكلي إلى نموذج هير: مسار مفهوم السيكوباتية من الملاحظة السريرية إلى علم القياس النفسي والعصبي المعاصر
السيكوباتية: حين يرتدي الاضطراب قناع العقل السليم
من «قناع العقل السليم» عند هيرفي كليكلي
إلى نموذج هير: مسار مفهوم السيكوباتية من الملاحظة السريرية إلى علم القياس
النفسي والعصبي المعاصر
دراسة نظرية في تاريخ المفهوم وأبعاده
السريرية والقياسية والعصبية النفسية
ملخص
تتناول
هذه الدراسة النظرية المسار التاريخي والمفاهيمي لمفهوم السيكوباتية
(Psychopathy)، بدءًا من الوصف السريري الكلاسيكي الذي قدّمه الطبيب النفسي
الأمريكي هيرفي م. كليكلي (Hervey M. Cleckley) في كتابه المرجعي «قناع العقل
السليم» (The Mask of Sanity)، وانتهاءً بالنماذج القياسية والعصبية النفسية
المعاصرة التي بلورها روبرت د. هير (Robert D. Hare) ومَن جاء بعده. تُظهر الدراسة
أن السيكوباتية ليست مرادفًا للسلوك الإجرامي أو العنيف، بل بنية شخصية معقّدة
تتقاطع فيها القدرة الاجتماعية الظاهرية مع فقر عميق في التعاطف والندم والارتباط
الانفعالي. كما تناقش الدراسة الانتقال من «الوصف السريري» إلى «القياس النفسي
المنظّم» عبر أداة (PCL-R)، ثم إلى المقاربات متعددة الأبعاد الحديثة كالنموذج
الثلاثي التكافلي (Triarchic Model)، وصولًا إلى الأدلة العصبية النفسية المرتبطة
بوظائف اللوزة الدماغية والقشرة الجبهية الحَجاجية.
الكلمات
المفتاحية: السيكوباتية، قناع العقل السليم، كليكلي، هير، PCL-R، النموذج الثلاثي
التكافلي، اللوزة الدماغية، اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع.
مقدمة: حين يتخفى الاضطراب داخل المألوف
في
تاريخ علم النفس المرضي، توجد بعض المفاهيم التي لا تكمن خطورتها في غرابتها، بل
في قدرتها على التخفي داخل المألوف. والسيكوباتية واحدة من أكثر هذه الظواهر
إثارةً للجدل؛ لأنها لا تتوافق بالضرورة مع الصورة النمطية للشخص المضطرب أو
المنفصل عن الواقع.
فقد
يكون الفرد ذكيًا، لبِقًا، اجتماعيًا، سريع البديهة، حسن المظهر، وبارعًا في إدارة
الانطباع الذي يتركه لدى الآخرين، ومع ذلك يمكن أن تكشف حياته النفسية والعلاقية
عن فقر عميق في التعاطف، والندم، والمسؤولية، والارتباط العاطفي. هذه المفارقة
بالذات هي التي جعلت الطبيب النفسي الأمريكي هيرفي ميلتون كليكلي (Hervey M.
Cleckley) أحد أكثر الأسماء تأثيرًا في التاريخ الحديث لمفهوم السيكوباتية.
ففي
كتابه الكلاسيكي «قناع العقل السليم» (The Mask of Sanity)، الذي صدرت طبعته
الأولى عام 1941 عن دار C. V. Mosby ثم أُعيدت صياغته وتوسيعه عبر خمس طبعات
متعاقبة حتى عام 1976 (Cleckley, 1976)، لم يكن كليكلي يصف مجرد «مجرم» أو «شخص
عنيف»، وإنما كان يحاول الإمساك بمشكلة أكثر تعقيدًا: كيف يمكن لشخص أن يبدو
سليمًا نفسيًا في المظهر، بينما تكشف بنيته الشخصية عن اضطراب عميق في علاقته
بالآخرين وبذاته وبالمسؤولية الأخلاقية؟
«ليس اكتشاف كليكلي أن السيكوباتيين يبدون مختلفين عن
الآخرين، بل أن بعضهم قد يبدو مثل الآخرين تمامًا» — وهذه هي جوهر استعارة القناع
التي أصبحت من أكثر الاستعارات رسوخًا في تاريخ السيكوباتية.
تسعى
هذه الدراسة إلى إعادة بناء هذا المسار التاريخي والمفاهيمي بصورة نقدية: من
الملاحظة الإكلينيكية الفردية عند كليكلي، مرورًا بمشروع روبرت هير في التقنين
والقياس، وصولًا إلى النماذج متعددة الأبعاد والأدلة العصبية النفسية المعاصرة، مع
تبيان المفصليات النظرية والمنهجية التي ميّزت كل مرحلة عن سابقتها.
١. كليكلي: اكتشاف المفارقة قبل أن تصبح السيكوباتية مقياسًا
تكمن
أهمية كليكلي في أنه لم يختزل السيكوباتية في السلوك الإجرامي. فقد استند عمله إلى
سنوات من الملاحظة السريرية المباشرة لمرضى بالغين ذكور نُزلاء في مستشفى نفسي
عصبي مغلق (Cleckley, 1976)، قبل أن يمتد اهتمامه لاحقًا إلى مرضى العيادات
الخارجية والمستشفيات العامة والمجتمع بوجه عام. وكان اهتمامه منصبًا، أساسًا، على
البنية الشخصية التي تقف خلف السلوك، لا على السلوك بذاته.
فالفرد
السيكوباتي، وفق التصور الكليكلي، قد يكون قادرًا على إنتاج خطاب اجتماعي مقنع،
وإظهار مشاعر مناسبة للموقف، والتعامل مع الآخرين بقدر كبير من اللباقة؛ لكن هذه
المظاهر لا تعني بالضرورة وجود التجربة الانفعالية التي يُفترض أن تعكسها. وهنا
تظهر إحدى أكثر أفكار كليكلي عمقًا: يمكن أن تكون اللغة العاطفية موجودة بينما
يكون العمق العاطفي ناقصًا.
يمكن
للشخص أن يتحدث عن الحب دون أن يعيشه كما يعيشه الآخرون، وأن يتحدث عن الذنب دون
أن يكون الذنب قوة نفسية حقيقية تُنظّم سلوكه، وأن يستخدم مفردات التعاطف دون أن
يكون قادرًا على اختبار معاناة الآخر بالعمق نفسه. وهكذا تصبح المشكلة ليست في
غياب السلوك الاجتماعي، وإنما في الفجوة بين الشكل النفسي ومضمونه.
٢. السمات الستّ عشرة: خريطة كليكلي الإكلينيكية للسيكوباتية
ارتبط
التصور الكلاسيكي لكليكلي بمجموعة من ستّ عشرة سمة سريرية استخلصها من دراسة حالات
مفصّلة، وأصبحت من أكثر الأوصاف تأثيرًا في تاريخ دراسة السيكوباتية (Cleckley,
1976; Hare & Neumann, 2008):
1. السحر السطحي
والذكاء الجيد.
2. غياب الأوهام
واضطراب التفكير غير العقلاني.
3. غياب القلق أو
العصاب الواضح.
4. عدم الموثوقية.
5. الكذب وعدم
الإخلاص.
6. غياب الندم أو
الخجل.
7. السلوك المعادي
للمجتمع غير المدفوع بدافع كافٍ.
8. ضعف الحكم وعدم
التعلم من الخبرة.
9. الأنانية المرضية
وعدم القدرة على الحب.
10. الفقر العام في
الاستجابات الانفعالية الأساسية.
11. غياب الاستبصار.
12. عدم الاستجابة في
العلاقات الشخصية العامة.
13. السلوك غير
الملائم تحت تأثير الكحول، وأحيانًا بدونه.
14. التهديدات
بالانتحار نادرًا ما تتحول إلى محاولات فعلية.
15. حياة جنسية غير
شخصية وسطحية وضعيفة التكامل.
16. الفشل في اتباع
خطة حياة واضحة.
غير
أن القيمة العلمية لهذه القائمة لا تكمن في حفظ بنودها، وإنما في ملاحظة البنية
الكامنة وراءها. فكليكلي يجمع في وصفه بين الكفاءة الظاهرية والخلل الداخلي، وبين
الذكاء وسوء الحكم، وبين القدرة على التواصل والعجز عن بناء علاقة عاطفية عميقة،
وبين غياب الذُّهان ووجود اضطراب عميق في الشخصية. وهذه المفارقات المتشابكة هي
التي تجعل السيكوباتية مختلفة جوهريًا عن مجرد السلوك الإجرامي.
٣. «القناع» ليس نفاقًا بسيطًا
من
الخطأ اختزال مفهوم القناع عند كليكلي في فكرة أن السيكوبات «يكذب طوال الوقت».
فالقضية أعمق من ذلك بكثير؛ إذ يشير القناع إلى قدرة الشخص على إنتاج مظهر من
مظاهر السواء النفسي والاجتماعي لا يعكس بالضرورة بنيته الانفعالية والأخلاقية
الداخلية.
ولهذا
فإن أكثر ما يلفت النظر في التصور الكليكلي ليس العدوان، وإنما المفارقة بين
الأداء الاجتماعي والبنية النفسية. وهنا يمكن صياغة الإشكالية على نحو أكثر
فلسفية: هل يمكن للإنسان أن يتقن لغة المشاعر دون أن يمتلك البنية النفسية التي
تمنح تلك اللغة معناها؟
إذا
كانت الإجابة نعم، فإن السيكوباتية تصبح، جزئيًا، مشكلة في الفجوة بين التعبير
الانفعالي والتجربة الانفعالية؛ وهي فجوة سيعود إليها البحث العصبي النفسي المعاصر
لاحقًا من زاوية أكثر تجريبًا، كما سيأتي في القسم العاشر من هذه الدراسة.
٤. من كليكلي إلى هير: عندما دخلت السيكوباتية مختبر القياس
بعد
عقود من عمل كليكلي، قدّم عالم النفس الكندي روبرت د. هير (Robert D. Hare) تحولًا
منهجيًا بالغ الأهمية. لم يعد السؤال «كيف نصف الشخص السيكوباتي؟»، بل أصبح: «كيف
نقيس السمات السيكوباتية بصورة منظمة وموثوقة؟».
ومن
هنا تطورت قائمة السيكوباتية (Psychopathy Checklist)، ثم نسختها المنقّحة
Psychopathy Checklist–Revised (PCL-R)، التي بلغت طبعتها الثانية عام 2003 (Hare,
2003). تتكوّن PCL-R من عشرين بندًا، ويعتمد تقييمها على مقابلة سريرية/جنائية
منظّمة تستغرق عادة ما بين 90 و120 دقيقة، إلى جانب مراجعة السجلات التاريخية
والمعلومات الجانبية المتاحة (كالسجل الجنائي والملفات المؤسسية)، وليس على
الانطباع السريع أو الاستبيان الذاتي وحده.
وهذا
التحول يمثّل نقطة فاصلة في تاريخ المفهوم: فكليكلي أعطى السيكوباتية لغة وصفية،
بينما أعطاها هير إطارًا أكثر تنظيمًا للقياس، مكّن الباحثين لاحقًا من ربط السمات
السيكوباتية إحصائيًا بمخرجات سلوكية محددة كالعنف والانتكاس الإجرامي وسوء
استخدام المواد (Hare, 1996; Hare & Neumann, 2008).
٥. من «القناع» إلى أربعة أبعاد بنيوية
في
النموذج العاملي المرتبط بـ PCL-R (الإصدار الثاني)، يمكن تنظيم السمات في أربعة
أبعاد كبرى موزّعة على عاملين رئيسين (Hare, 2003):
أولًا: البُعد
البينشخصي (Interpersonal)
ويتضمن
سمات مثل: السحر السطحي، والشعور المتضخّم بقيمة الذات، والكذب المرضي، والخداع
والتلاعب. هنا يستمر إرث كليكلي بوضوح؛ فالقدرة على إدارة الانطباع الاجتماعي ليست
نقيض السيكوباتية، بل قد تكون جزءًا من بنيتها.
ثانيًا: البُعد
الانفعالي (Affective)
ويشمل:
غياب الندم والذنب، وسطحية الانفعال، والقسوة، وغياب التعاطف، وعدم تحمّل
المسؤولية. وهنا نصل إلى قلب المسألة: السيكوباتية ليست مجرد مخالفة للقانون؛
إنها، في أحد أبعادها المركزية، اضطراب في الطريقة التي يعمل بها الضمير والعاطفة
والعلاقة بالآخر.
ثالثًا: نمط الحياة
(Lifestyle)
ويشمل:
الحاجة إلى الإثارة، والملل، والطفيلية الاجتماعية، وغياب الأهداف الواقعية طويلة
المدى، والاندفاعية، وعدم المسؤولية. وهذا البعد يعيد صياغة ملاحظات كليكلي حول
ضعف التخطيط، وعدم التعلم من الخبرة، والفشل في بناء حياة مستقرة.
رابعًا: البُعد
المعادي للمجتمع (Antisocial)
ويضم
مؤشرات أكثر ارتباطًا بالسلوك المنحرف، مثل: ضعف الضبط السلوكي، والمشكلات
السلوكية المبكرة، وجنوح الأحداث، وانتهاك القواعد والشروط القانونية، والتنوع في
السلوك الإجرامي.
وهنا
تظهر إحدى أهم نقاط التحول: أصبح السلوك المعادي للمجتمع أكثر حضورًا وترميزًا
كميًا في القياس الحديث للسيكوباتية، مقارنة بالتركيز الكليكلي الأوسع على البنية
الشخصية والانفعالية وحدها — وهو ما فتح لاحقًا بابًا لجدل نظري مهم سنعرض له في
القسم التالي.
٦. كليكلي وهير: تطور أم إعادة تعريف؟
هنا
تظهر مسألة منهجية لا ينبغي تجاوزها: هل نموذج هير هو ببساطة النسخة الحديثة من
كليكلي؟
ليس
تمامًا. فقد بيّن هير ونيومان (Hare & Neumann, 2008) في مراجعتهما المرجعية
أن ثمة من يرى أن أداة PCL-R، رغم استنادها الاسمي إلى عمل كليكلي، قد «انزاحت»
جزئيًا عن الحدّ الإكلينيكي الذي رسمه، خصوصًا فيما يتعلق بوزن السمات المعادية
للمجتمع مقارنة بالسمات الانفعالية والبينشخصية الصرفة. وقد ناقش الباحثان هذا
النقد مع الإشارة إلى أن العينة الإكلينيكية الأصلية التي بنى عليها كليكلي وصفه
لم تكن تمثيلية بالضرورة لكل صور الاضطراب.
هناك
إذن استمرارية واضحة بين الرجلين، خصوصًا في السمات البينشخصية والانفعالية، لكن
هناك أيضًا اختلاف حقيقي في البناء النظري وطريقة القياس. كليكلي كان يعمل أساسًا
داخل تقليد الوصف السريري الفردي القائم على دراسة الحالة، أما هير فعمل داخل
تقليد القياس النفسي والتشخيص المنظَّم القائم على عيّنات كبيرة وتحليل عاملي
إحصائي.
ويمكن
تمثيل هذا المسار التاريخي على النحو الآتي:
•
كليكلي
(Cleckley) ← الوصف السريري الفردي (Clinical Description).
•
هير
(Hare) ← التقنين والتفعيل الإجرائي (Operationalization).
•
أداة
PCL-R ← التقييم القياسي النفسي (Psychometric Assessment).
•
البحث
المعاصر ← علم الشخصية متعدد الأبعاد (Multidimensional Personality Science).
وهذا
يعني أن تاريخ السيكوباتية ليس تاريخ «اكتشاف شخص شرير»، بل تاريخ انتقال مفهوم من
العيادة إلى القياس، ومن الوصف إلى النمذجة الإحصائية والعصبية.
٧. الخطأ الأكثر شيوعًا: السيكوباتية ليست مرادفة للإجرام
ربما
تكون هذه النقطة أهم ما يجب تصحيحه في الخطاب الشعبي حول الموضوع: فليس كل شخص
سيكوباتي بالضرورة قاتلًا أو عنيفًا أو مجرمًا محترفًا، كما أن كل مجرم ليس
بالضرورة سيكوباتيًا.
وهذا
التمييز ضروري علميًا لأن السيكوباتية واضطراب الشخصية المعادية للمجتمع
(Antisocial Personality Disorder – ASPD) ليسا مفهومين مترادفين، رغم تقاطعهما
الجزئي. فاضطراب الشخصية المعادية للمجتمع، كما يُعرَّف في الأدلة التشخيصية
المعيارية، يعتمد بشكل أساسي على معايير سلوكية ظاهرة (كتكرار المخالفات القانونية
والاندفاعية والعدوانية)، بينما تتضمن السيكوباتية، وفق تصور كليكلي وهير معًا،
مجموعة أكثر تحديدًا من السمات البينشخصية والانفعالية العميقة، كالتلاعب،
والسطحية العاطفية، وغياب الندم والتعاطف الحقيقي (Hare & Neumann, 2008).
ولهذا
فإن اختزال السيكوباتية في «العنف» وحده يُفقد المفهوم جزءًا كبيرًا من مضمونه
العلمي، ويحوّله من بنية شخصية متكاملة إلى وصمة سلوكية مبسّطة.
٨. هل السيكوباتية «نوع» منفصل أم «طيف» من السمات؟ النموذج
الثلاثي التكافلي
هنا
تنتقل المناقشة إلى مستوى أكثر حداثة: هل يوجد شيء اسمه «الشخص السيكوباتي» بوصفه
نوعًا نفسيًا منفصلًا تمامًا؟ أم أننا أمام طيف من السمات الشخصية يمكن أن تظهر
بدرجات متفاوتة لدى أفراد مختلفين؟
هذا
السؤال مهم لأن علم الشخصية المعاصر يميل بصورة متزايدة إلى دراسة السمات على
أبعاد مستمرة بدل افتراض أن الحدود بين «السوي» و«المضطرب» دائمًا حدود قاطعة. وفي
هذا السياق، قدّم باتريك وفاولز وكروجر (Patrick, Fowles, & Krueger, 2009) ما
يُعرف بالنموذج الثلاثي التكافلي للسيكوباتية (Triarchic Model)، في محاولة صريحة
للتوفيق بين التصورات التاريخية المتباينة للاضطراب.
يفترض
هذا النموذج أن السيكوباتية تتشكّل من تقاطع ثلاثة أبعاد ظاهراتية (فينوتيبية)
متمايزة، وإن كانت متداخلة جزئيًا:
•
الجرأة
(Boldness): وتشمل السيطرة الاجتماعية، والمرونة الانفعالية تجاه الضغط، والإقدام
على المخاطرة، وانعدام الخوف النسبي؛ وهي السمات التي كان كليكلي نفسه قد أشار
إليها ضمن «السحر السطحي» و«غياب القلق الظاهر».
•
القسوة
(Meanness): وتضم الاستهانة العدائية بالآخرين، والاستغلال، وضعف التعلّق العاطفي،
والعدوان الاستغلالي المتعمَّد.
•
ضعف
التثبيط (Disinhibition): وتشمل ضعف ضبط الاندفاع، وقصر النظر تجاه العواقب، وسوء
تنظيم الانفعال، وصعوبة تأجيل الإشباع.
وبحسب
هذا النموذج، فإن اختلاف الوزن النسبي لهذه الأبعاد الثلاثة لدى الفرد هو ما يفسّر
التنوّع الكبير في الصور السريرية التي وُصفت تاريخيًا تحت مسمّى «السيكوباتية» —
بدءًا من «السيكوباتية الأوّلية» ذات الجرأة العالية وضعف القلق التي ركّز عليها
كليكلي، وصولًا إلى «السيكوباتية الثانوية» الأقرب إلى العدوانية والاندفاعية وضعف
التثبيط.
وهكذا
تصبح السيكوباتية أقل شبهًا بـ«صندوق تشخيصي» مغلق، وأكثر شبهًا ببنية متعددة
الأبعاد تتفاعل فيها الجرأة والقسوة وضعف التثبيط بنسب متفاوتة، وهو ما يفسّر
أيضًا لماذا يبدو بعض الأفراد ذوي السمات السيكوباتية العالية ناجحين اجتماعيًا
ومهنيًا، بينما ينحدر آخرون نحو السلوك الإجرامي الصريح.
٩. المفارقة الكبرى: لماذا يبدو بعض السيكوباتيين طبيعيين تمامًا؟
ربما
تكون هذه هي النقطة التي تجعل كليكلي معاصرًا حتى اليوم. فالمشكلة ليست دائمًا أن
الشخص السيكوباتي لا يستطيع فهم القواعد الاجتماعية؛ فقد يكون قادرًا على فهمها
جيدًا، بل قد يكون قادرًا على استخدامها بمهارة عالية. إنه يعرف ماذا يقول، ومتى
يقوله، وكيف يظهر أمام الآخرين. لكن المعرفة بالقواعد لا تعني بالضرورة الالتزام
الداخلي بها.
ومن
هنا يظهر فرق بالغ الأهمية بين معرفة ما يشعر به الآخر (التعاطف المعرفي) والشعور
معه فعليًا (التعاطف الوجداني)، وبين معرفة أن الفعل خاطئ واختبار الذنب بوصفه قوة
نفسية تُنظّم السلوك فعليًا.
وهنا
يصبح «القناع» أكثر من استعارة أدبية؛ يصبح سؤالًا علميًا دقيقًا عن العلاقة بين
الإدراك الاجتماعي، والتعاطف بشقّيه المعرفي والوجداني، والانفعال الأخلاقي،
والتنظيم السلوكي — وهو سؤال ستحاول العلوم العصبية النفسية المعاصرة الإجابة عنه،
كما سيأتي في القسم التالي.
١٠. من كليكلي إلى علم الأعصاب المعرفي المعاصر
لم
تعد دراسة السيكوباتية اليوم محصورة في الوصف السريري أو القياس النفسي؛ فقد دخلت
إليها علوم الأعصاب المعرفية، وعلم النفس التطوري، وعلم الشخصية، وعلم النفس
الإجرامي، ودراسات اتخاذ القرار والتنظيم الانفعالي.
ومن
أبرز النماذج العصبية النفسية المعاصرة، النموذج الذي طوّره جيمس بلير (R. J. R.
Blair)، والذي يربط السيكوباتية بخلل وظيفي في اللوزة الدماغية (Amygdala) وفي
القشرة الجبهية الحَجاجية والبطنية الإنسية (Ventromedial Prefrontal Cortex)،
وهما بنيتان تشاركان في التعلّم الوجداني، وربط المثيرات بالعقاب، والاستجابة
لإشارات الضيق لدى الآخرين، كتعابير الخوف والحزن (Blair, 2007).
ووفقًا
لهذا النموذج، فإن الخلل في هذه الدارات العصبية يُضعف قدرة الفرد على «التعلم
الرادع» القائم على العقاب الاجتماعي والوجداني (كالشعور بالذنب حين يرى ضيق
الآخر)، وهو ما يفسّر جزئيًا الفقر في التعاطف الوجداني والاندفاع نحو سلوكيات
مؤذية دون كابح انفعالي داخلي كافٍ، حتى مع سلامة القدرة المعرفية على فهم القواعد
الاجتماعية.
وبذلك
يمكن تلخيص السؤال العصبي النفسي المعاصر بصيغة تكمل السؤال الفلسفي الذي طرحه
كليكلي: ما الذي يجعل بعض الأفراد قادرين على فهم الآخرين معرفيًا، دون أن
يتفاعلوا معهم انفعاليًا بالطريقة نفسها التي يتفاعل بها معظم الناس؟
وهذا
يقود إلى دراسة عمليات مثل: التعاطف الوجداني، والتعاطف المعرفي، ومعالجة إشارات
الخوف والعقاب، واتخاذ القرار، والتعلّم من العواقب، والتنظيم الانفعالي، ومعالجة
الإشارات الاجتماعية، والحساسية للمكافأة. وهنا لم تعد السيكوباتية مجرد «صفة
شخصية غامضة»، بل أصبحت نقطة تقاطع بين علم الشخصية، وعلم الأعصاب، وعلم النفس
المرضي، وعلم الجريمة.
١١. خاتمة: كليكلي اكتشف المفارقة، وهير نظّمها، والعلم المعاصر
يفكّك بنيتها
إذا
أردنا تلخيص المسار التاريخي في صيغة واحدة: كليكلي اكتشف المفارقة، وهير نظّمها
في نموذج قياس، والبحث المعاصر يحاول تفكيك بنيتها متعددة الأبعاد عبر النماذج
الفينوتيبية والأدلة العصبية النفسية.
لقد
نقل كليكلي السؤال من: «هل يبدو هذا الشخص طبيعيًا؟» إلى سؤال أكثر خطورة: «ماذا
يوجد خلف هذا المظهر الطبيعي؟». ثم نقل هير السؤال من: «هل أعتقد أن هذا الشخص
سيكوباتي؟» إلى: «ما السمات التي يمكن تقييمها؟ وكيف؟ وبأي درجة؟».
أما
علم النفس المعاصر، بنماذجه الثلاثية والعصبية، فيطرح سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل
السيكوباتية اضطراب واحد متجانس، أم شبكة من السمات والآليات النفسية والعصبية
التي يمكن أن تتجمّع بطرائق مختلفة لدى أفراد مختلفين؟
ليس كل اضطراب يصرخ كي يُكتشف؛ بعض الاضطرابات تتقن فن
الظهور بمظهر السواء — وربما هنا تكمن القيمة الحقيقية والدائمة لإرث كليكلي.
المراجع (بنمط الجمعية الأمريكية لعلم النفس – APA، الإصدار
السابع)
American Psychiatric Association.
(2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.).
American Psychiatric Publishing.
Blair, R. J. R. (2007). The amygdala
and ventromedial prefrontal cortex in morality and psychopathy. Trends in
Cognitive Sciences, 11(9), 387–392. https://doi.org/10.1016/j.tics.2007.07.003
Cleckley, H. (1976). The mask of
sanity: An attempt to clarify some issues about the so-called psychopathic
personality (5th ed.). C. V. Mosby.
Hare, R. D. (1996). Psychopathy: A
clinical construct whose time has come. Criminal Justice and Behavior, 23(1),
25–54. https://doi.org/10.1177/0093854896023001004
Hare, R. D. (2003). The Hare
Psychopathy Checklist—Revised (2nd ed.). Multi-Health Systems.
Hare, R. D., & Neumann, C. S.
(2008). Psychopathy as a clinical and empirical construct. Annual Review of
Clinical Psychology, 4, 217–246.
https://doi.org/10.1146/annurev.clinpsy.3.022806.091452
Patrick, C. J., Fowles, D. C., &
Krueger, R. F. (2009). Triarchic conceptualization of psychopathy:
Developmental origins of disinhibition, boldness, and meanness. Development and
Psychopathology, 21(3), 913–938. https://doi.org/10.1017/S0954579409000492
Comentarios
Publicar un comentario