الطفل لم يختر أن يولد حين تتحول حرية الإنجاب إلى واجب التربية بين حقّ الوالدين في الاختيار وحقّ الطفل في حياة تستحق أن تُعاش دراسة في أخلاقيات الإنجاب وفلسفة التربية، بين علم النفس النمائي والفلسفة الأخلاقية

 

الطفل لم يختر أن يولد

حين تتحول حرية الإنجاب إلى واجب التربية

بين حقّ الوالدين في الاختيار وحقّ الطفل في حياة تستحق أن تُعاش




دراسة في أخلاقيات الإنجاب وفلسفة التربية، بين علم النفس النمائي والفلسفة الأخلاقية



مقدمة: الحرية التي تُنتج مسؤولية

يُنظر إلى الإنجاب في معظم المجتمعات باعتباره امتدادًا طبيعيًا للحياة الأسرية، وأحيانًا باعتباره قيمة اجتماعية أو غريزة بيولوجية أو واجبًا ثقافيًا. غير أن هذه المسلّمة تصبح أكثر تعقيدًا حين ننتقل من سؤال «هل يحق للإنسان أن ينجب؟» إلى سؤال أكثر عمقًا يمس بنية الفعل الأخلاقي نفسه: ماذا يحدث أخلاقيًا في اللحظة التي تتحول فيها حرية شخصٍ أو شخصين إلى وجود إنسان ثالث لم يشارك مطلقًا في قرار وجوده؟

هنا تظهر مفارقة تأسيسية في فلسفة الإنجاب والأبوة: الإنجاب يمكن أن يكون فعلًا اختياريًا محضًا، غير أن وجود الطفل الناتج عنه يُنشئ شبكة من الالتزامات لم تعد اختيارية بالمعنى نفسه. فالفيلسوف الأخلاقي Joel Feinberg يصوغ هذه الفكرة عبر مفهومه عن «الحقوق السابقة على الإنجاز» (anticipatory autonomy rights)، مؤكدًا أن للطفل حقًا في مستقبل مفتوح لم تُغلق خياراته سلفًا بقرارات الكبار (Feinberg, 1980).

فالوالدان يملكان، قبل الإنجاب، مساحة واسعة لاتخاذ القرار: هل ينجبان؟ متى؟ كم طفلًا؟ وفي أي ظروف؟ أما الطفل، فبمجرد أن يوجد، لا يملك إمكانية الرجوع إلى الوراء أو إعادة التفاوض حول شروط وجوده. ومن ثمّ فإن عدم التماثل الجوهري في القدرة على الاختيار بين الطرفين يجعل المسؤولية الوالدية قضية أخلاقية تتجاوز مجرد الرغبة الشخصية، لتقترب مما تصفه الأخلاق الكانطية بمعاملة الآخر كغاية في ذاته لا كوسيلة (Kant, 1785/1993).

الإنجاب إذن ليس نهاية القرار؛ بل بداية المسؤولية.

أولًا: الإنجاب بين الحرية الفردية والتحولات الاجتماعية

لم يعد الإنجاب في المجتمعات الحديثة خاضعًا بالدرجة نفسها للمعايير التقليدية التي كانت تربط الزواج بالإنجاب حتمًا، أو تعتبر كثرة الأطفال معيارًا للنجاح الاجتماعي والأسري. لقد أدى التحول نحو الفردانية الحديثة، وتغيّر أنماط العمل والأسرة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتوسّع تعليم المرأة، وتغيّر تصورات تحقيق الذات، إلى جعل قرار الإنجاب أكثر ارتباطًا بالتخطيط الشخصي وبإدارة المخاطر المستقبلية.

وفي إطار «مجتمع المخاطر» الذي وصفه Ulrich Beck، لم تعد الحياة الحديثة سلسلة من المسارات المحددة سلفًا وفق التقاليد والأعراف الجمعية، بل أصبحت مشروعًا فرديًا يتطلب من الشخص اتخاذ قرارات مستمرة في ظل عدم اليقين البنيوي الذي تفرزه الحداثة المتأخرة (Beck, 1992). ويتقاطع هذا التحليل مع ما يسميه Anthony Giddens «إعادة البناء الانعكاسي للذات»، حيث يصبح الفرد مطالَبًا بتبرير خياراته الحياتية، بما فيها الإنجاب، بدلًا من قبولها كأمر بديهي موروث (Giddens, 1991).

ومن هذا المنظور، يصبح الإنجاب أحد أكثر القرارات الإنسانية كثافةً من حيث تبعاته؛ لأنه لا يغيّر حياة الوالدين فقط، بل ينشئ حياة شخص آخر بالكامل. وهنا ينبغي التأكيد على مبدأ أساسي: حرية عدم الإنجاب لا تقل أخلاقيًا عن حرية الإنجاب. فليس من المنطقي أن يتحول الضغط الاجتماعي إلى إلزام أخلاقي بإنجاب الأطفال، كما لا ينبغي أن يتحول الإنجاب إلى معيار لقيمة الإنسان أو اكتماله. لكن الاعتراف بحرية الإنجاب لا يعني إعفاء الإنسان من التفكير في شروط الإنجاب ومسؤولياته.

ثانيًا: لحظة الإنجاب ليست لحظة انتهاء الحرية، بل لحظة نشوء الالتزام

تكمن إحدى أكثر المغالطات شيوعًا في اختزال الإنجاب في فعل الحمل والولادة. فالولادة حدث بيولوجي، لكن الأبوة والأمومة مشروع نمائي طويل الأمد. إن إنجاب طفل لا يعني ببساطة إضافة فرد جديد إلى الأسرة؛ بل يعني دخول الوالدين في علاقة طويلة الأمد من الاعتماد المتبادل، يكون فيها الطفل في سنواته الأولى عاجزًا إلى حدٍّ كبير عن تأمين احتياجاته الأساسية أو حماية نفسه أو تنظيم انفعالاته أو اتخاذ القرارات التي تحدد مستقبله.

وقد أرسى John Bowlby، عبر نظرية التعلق (attachment theory)، فكرة أن حاجة الرضيع إلى قربٍ آمن من مقدم رعاية مستجيب ليست ترفًا نفسيًا، بل نظام بيولوجي تطوري يهدف إلى ضمان البقاء والنمو السليم (Bowlby, 1969). وقد أكدت Mary Ainsworth تجريبيًا، عبر إجراء «الموقف الغريب»، أن جودة الاستجابة الوالدية تُنتج أنماط تعلق متمايزة (آمن، قَلِق، متجنّب) تترك أثرًا ممتدًا في العلاقات اللاحقة للفرد (Ainsworth et al., 1978). كما ميّز Donald Winnicott مفهوم «الأم الجيدة بما فيه الكفاية» (good enough mother)، مشيرًا إلى أن الرعاية لا تحتاج إلى الكمال، بل إلى استجابة كافية ومتسقة تسمح للطفل ببناء «ذات حقيقية» بدل ذات زائفة تتشكل استجابة لقلق البيئة (Winnicott, 1965).

ومن هنا تنشأ المسؤولية. فالطفل لا يحتاج فقط إلى الغذاء والمسكن والملابس والتعليم، وإنما يحتاج كذلك إلى:

• الأمان الجسدي والنفسي؛

• علاقة تعلق مستقرة؛

• الاستجابة الانفعالية والتناغم البين-ذاتي (intersubjectivity)، وفق ما وصفه Colwyn Trevarthen في دراساته حول التواصل الرضيعي المبكر (Trevarthen, 1979)؛

• التحفيز المعرفي واللغوي؛

• حدود واضحة ومتسقة؛

• حماية من العنف والإهمال؛

• الاعتراف بكرامته واستقلاليته المتنامية؛

• بيئة تسمح له بتكوين هوية متماسكة؛

• وفرص حقيقية للتعلم والاستقلال.

وبالتالي، فإن الرعاية الوالدية ليست خدمة إضافية يقدمها الأب أو الأم للطفل، وإنما هي جزء من البنية الأخلاقية لقرار الإنجاب نفسه.

ثالثًا: الطفل ليس مشروعًا لتحقيق الذات الوالدية

من الأخطاء الفكرية الشائعة أن يتحول الطفل إلى وسيلة لتحقيق احتياجات البالغين: «ليكون امتدادًا لي»، «ليحمل اسمي»، «ليحقق ما عجزت عن تحقيقه»، «ليعتني بي عندما أكبر»، «ليجعل زواجي أكثر استقرارًا»، «ليمنح حياتي معنى». لكن الطفل ليس مشروعًا نفسيًا للوالدين؛ إنه ذات إنسانية مستقلة.

ويصوغ Joel Feinberg هذه الفكرة فلسفيًا عبر ما أسماه «حق الطفل في مستقبل مفتوح»، وهو حق يفرض على الوالدين والمجتمع عدم اتخاذ قرارات نيابة عن الطفل تُغلق أمامه، بصورة لا رجعة فيها، مسارات حياتية كان يمكن أن يختارها بنفسه حين يبلغ سن الرشد الأخلاقي والعقلي (Feinberg, 1980). وهذا يتقاطع مع الأطروحة الكانطية القائلة إن معاملة الإنسان كغاية في ذاته تقتضي احترام قدرته المستقبلية على التقرير الذاتي، لا استخدامه أداةً لتحقيق غايات الغير (Kant, 1785/1993).

وهذه النقطة بالذات تجعل التربية أكثر تعقيدًا من مجرد «تقديم الحب». فالوالد الجيد لا يسعى إلى إنتاج نسخة من نفسه، وإنما يساعد شخصًا آخر على أن يصبح ذاته الخاصة. ومن هنا يمكن إعادة صياغة وظيفة التربية: التربية الناجحة ليست صناعة طفل يطابق رغبات والديه، بل بناء شروط تسمح لطفل تابع في البداية بأن يصبح إنسانًا مستقلًا في النهاية. وهذا الانتقال من التبعية إلى الاستقلال هو أحد المعايير الأساسية التي يمكن من خلالها تقييم جودة التربية.

رابعًا: السنوات الأولى ليست مجرد مرحلة عابرة

تؤكد علوم النمو العصبي والنفسي أن السنوات الأولى من الحياة تمثل فترة ذات أهمية استثنائية في تشكيل المسارات النمائية. فقد بيّن التقرير المرجعي الصادر عن المجلس الوطني الأمريكي للبحث العلمي والمعنون From Neurons to Neighborhoods أن العمارة الأساسية للدماغ تُبنى عبر تفاعل مستمر بين الاستعداد الجيني والخبرة البيئة المبكرة، وأن هذا التفاعل يضع الأسس التي ترتكز عليها كل مراحل النمو اللاحقة (Shonkoff & Phillips, 2000).

ويوضح Bruce Perry، عبر «النموذج العصبي المتسلسل للنمو» (Neurosequential Model)، كيف أن الخبرات المتكررة في مرحلة الطفولة المبكرة، وخصوصًا العلاقات الآمنة أو المضطربة مع مقدمي الرعاية، تسهم في تنظيم الاستجابة الفيزيولوجية للضغط (Perry & Szalavitz, 2006). ولا يعني ذلك أن الطفل الذي يتعرض للإهمال أو الصدمات يصبح بالضرورة بالغًا مضطربًا؛ فقد أظهرت أبحاث Ann Masten حول «السحر العادي» (ordinary magic) أن المرونة النفسية (resilience) ظاهرة شائعة نسبيًا تنشأ من تضافر أنظمة تكيّف أساسية — كالعلاقات الداعمة والقدرات المعرفية والدافعية — لا من سمة استثنائية نادرة (Masten, 2001).

لكن هذه المرونة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتقليل خطورة الإهمال. فالقول إن الإنسان قادر على التعافي لا يعني أن الضرر غير مهم، والقول إن الدماغ يتمتع بالمرونة العصبية لا يعني أن جميع الخبرات متساوية في آثارها. لذلك فإن التربية الواعية لا تهدف فقط إلى منع المرض النفسي، بل إلى تعظيم فرص النمو الصحي منذ البداية.

خامسًا: الإهمال ليس غياب الحب فقط

قد يحب الأب ابنه، ومع ذلك يفشل في تربيته. وقد تكون الأم شديدة التعلق بأطفالها، لكنها تستخدم العنف. وقد يوفر الوالدان الطعام والتعليم، لكنهما يحرمان الطفل من الأمان النفسي. وهذا يوضح أن الحب وحده ليس معيارًا كافيًا لجودة التربية.

وقد قدّمت Diana Baumrind تصنيفًا مؤثرًا لأنماط التنشئة الوالدية، مميزةً بين النمط السلطوي (authoritative) الذي يجمع بين الدفء والحزم الواضح، والنمط التسلطي (authoritarian) القائم على السيطرة دون استجابة انفعالية، والنمط المتساهل (permissive) القائم على الدفء دون حدود، والنمط المُهمِل (neglectful) الأشد ضررًا لخلوّه من الدفء والحزم معًا؛ وقد ارتبط النمط الأول بأفضل النتائج النمائية عبر دراسات متعددة (Baumrind, 1991).

الحب غير المصحوب بالوعي قد يتحول إلى حماية مفرطة، والخوف قد يُقدَّم باعتباره تربية، والسيطرة قد تُسمى انضباطًا، والإهمال قد يُبرر بالانشغال، والعنف قد يُسوَّغ تحت شعار «التأديب». لذلك ينبغي الانتقال من مفهوم «الوالد المحب» إلى مفهوم أكثر دقة علميًا هو: الوالد الكفء نمائيًا؛ أي الوالد القادر على فهم حاجات الطفل المتغيرة، والاستجابة لها بصورة مناسبة، وتنظيم نفسه انفعاليًا، ووضع حدود دون إذلال، وتصحيح السلوك دون تدمير الكرامة.

سادسًا: من مأساة فردية إلى قضية اجتماعية

لا تتوقف نتائج سوء الرعاية عند حدود المنزل. فالطفولة تشكل أحد المسارات التي تتقاطع فيها الصحة النفسية، والتعليم، والسلوك الاجتماعي، والقدرة على بناء العلاقات، والصحة الجسدية، والاندماج المجتمعي. وقد قدّمت دراسة «الخبرات السلبية في الطفولة» (Adverse Childhood Experiences Study) التي أجراها Vincent Felitti وزملاؤه أحد أكثر الأدلة الوبائية إقناعًا في هذا الصدد، إذ وجدت علاقة تراكمية بين عدد الخبرات السلبية المبكرة (كالإهمال، والعنف الأسري، والانفصال الوالدي) وارتفاع مخاطر الاضطرابات النفسية والجسدية والسلوكية في مراحل لاحقة من الحياة (Felitti et al., 1998).

ويوضح النموذج البيئي-النمائي (ecological systems theory) الذي طوّره Urie Bronfenbrenner أن نمو الطفل لا يحدث في فراغ أسري معزول، بل عبر طبقات متداخلة من الأنظمة — الأسرة، والمدرسة، والمجتمع المحلي، والسياسات العامة — تتفاعل جميعها في تشكيل مساره النمائي (Bronfenbrenner, 1979).

لكن من الضروري هنا تجنب الحتمية السببية. فليس كل طفل تعرض للإهمال يصبح عنيفًا، وليس كل طفل عاش طفولة صعبة يفشل في حياته. الإنسان ليس نتيجة مباشرة لخبراته، وإنما تتفاعل الخبرات المبكرة مع الاستعدادات الفردية والعلاقات والأقران والمدرسة والظروف الاقتصادية والثقافة والموارد الاجتماعية وفرص التدخل والعلاج — وهو ما يسميه Arnold Sameroff «النموذج التفاعلي التبادلي» (transactional model)، حيث يشكّل الطفل بيئته كما تشكّله هي (Sameroff, 2009). وبالتالي فإن العلاقة ليست: إهمال ← جريمة، وإنما أقرب إلى: خبرات سلبية مبكرة + عوامل خطر متراكمة − عوامل حماية وتدخل = مسارات نمائية متفاوتة. وهذا التمييز ضروري إذا أردنا الانتقال من الخطاب الأخلاقي إلى الخطاب العلمي.

سابعًا: الإنجاب ليس بطولة

في بعض الثقافات، يُعامل الإنجاب وكأنه إنجاز في حد ذاته. لكن من منظور نفسي وأخلاقي واجتماعي، ينبغي أن نطرح سؤالًا مختلفًا: ما قيمة إنجاب طفل إذا لم تكن البيئة قادرة على توفير الحد الأدنى من شروط نموه الإنساني؟

إن عدد الأطفال ليس مؤشرًا على جودة الأسرة، كما أن التضحية المادية وحدها ليست دليلًا على نجاح التربية، والتفوق الدراسي وحده لا يعني أن الطفل يتمتع بالصحة النفسية، والانضباط الظاهري لا يعني بالضرورة وجود علاقة آمنة. لذلك يجب أن ينتقل تقييم المجتمعات من سؤال «كم طفلًا أنجبنا؟» إلى سؤال «ما نوع الحياة التي وفرناها للأطفال الذين أنجبناهم؟». وهذا التحول ليس مجرد تغيير لغوي؛ إنه تحول في فلسفة المجتمع تجاه الطفولة.

ثامنًا: معادلة الحرية والمسؤولية

يمكن تلخيص الأطروحة في معادلة مفاهيمية بسيطة.

قبل الإنجاب: حرية القرار

هل أريد الإنجاب؟ هل أستطيع تحمّل تبعاته؟ هل أمتلك الحد الأدنى من الاستقرار؟ هل أستطيع توفير الرعاية؟ هل أفهم طبيعة المسؤولية التي سأدخل فيها؟

بعد الإنجاب: مسؤولية الرعاية

بمجرد وجود الطفل، لا يعود السؤال: «هل ما زلت أرغب في تحمل المسؤولية؟»، بل: «كيف أؤدي المسؤولية التي نشأت بالفعل؟». وهنا تظهر المفارقة الأخلاقية الكبرى: الوالدان يختاران الدخول في الأبوة؛ الطفل لا يختار الدخول في الطفولة. ولهذا فإن حرية الوالدين لا يمكن أن تكون مطلقة عندما تبدأ في التأثير في حقوق طفل يعتمد عليهما اعتمادًا جوهريًا.

تاسعًا: من «حق الإنجاب» إلى «مسؤولية الإنجاب»

ربما نحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم الحق نفسه. فإذا كان الإنجاب يُنظر إليه باعتباره حقًا فرديًا، فإن ممارسة هذا الحق لا ينبغي أن تُفهم بوصفها منفصلة عن النتائج المترتبة عليه. وقد ذهب بعض الفلاسفة، مثل David Benatar، إلى موقف متطرف يرى أن الإتيان بكائن جديد إلى الوجود ينطوي دومًا على ضرر أخلاقي لا يمكن تعويضه، لأن الكائن غير الموجود لا يفتقد شيئًا بعدم وجوده بينما يتعرض الكائن الموجود حتمًا لمعاناة (Benatar, 2006). وسواء اتفقنا مع هذه الأطروحة اللاإنجابية (antinatalism) أو اختلفنا معها، فإنها تكشف بحدة عن السؤال الأخلاقي الذي يتجنبه الخطاب الشعبي حول الإنجاب: من يتحمل عبء وجودٍ لم يُختَر؟

وفي مقابل هذا الطرح المتشائم، تقدّم Onora O'Neill تصورًا أكثر اعتدالًا يربط بين الاستقلالية الأخلاقية والاعتماد المتبادل، مشيرة إلى أن الأخلاق الكانطية التقليدية، حين تُبنى حصرًا على تصور الفاعل المستقل تمام الاستقلال، تخفق في استيعاب علاقة الوالدين بالطفل التي تقوم أساسًا على اللاتماثل والاعتماد المؤقت، وتقترح بدلًا من ذلك أخلاقًا تراعي الفاعلين المعتمدين وغير المكتملي الاستقلالية بعد، وعلى رأسهم الأطفال (O'Neill, 1988).

في الأخلاق التطبيقية، لا تعني الحرية غياب المسؤولية، بل تعني في كثير من الأحيان القدرة على اتخاذ القرار مع تحمّل تبعاته. ومن هنا يمكن اقتراح مفهوم «المسؤولية الإنجابية الواعية»، وهي ليست دعوة إلى فرض شروط تعسفية على من يريد الإنجاب، وليست حكمًا على قيمة الأشخاص أو أهليتهم، وإنما تعني أن قرار الإنجاب ينبغي أن يكون مصحوبًا بوعي واقعي بأن الطفل القادم ليس «ملكية» للوالدين، بل شخص مستقل له مصالح وحقوق واحتياجات نمائية.

عاشرًا: التربية بوصفها استثمارًا في المستقبل الإنساني

إذا كان الطفل هو المرحلة الأولى في سلسلة طويلة من التطور الإنساني، فإن التربية تصبح أحد أهم الاستثمارات الاجتماعية بعيدة المدى. فالطفل الذي يحصل على الرعاية المناسبة لا يستفيد منها وحده، إنما تنتقل بعض آثارها عبر سلسلة ممتدة: تعليمه ← صحته النفسية ← علاقاته ← عمله ← قدرته على رعاية أبنائه ← المجتمع الذي يعيش فيه.

وبذلك تصبح التربية عملية ذات طبيعة عبر-جيلية (transgenerational)، وهو ما يؤكده النموذج التفاعلي التبادلي لدى Sameroff حين يبيّن أن أنماط الرعاية تنتقل، جزئيًا، عبر الأجيال من خلال ما يكتسبه الوالد نفسه من نماذج داخلية للتعلق في طفولته (Sameroff, 2009). فالوالدان لا يربيان طفلًا فقط؛ إنهما يساهمان، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل الإنسان الذي سيشارك لاحقًا في تشكيل أطفال آخرين ومؤسسات أخرى ومجتمع آخر. وهنا تكمن إحدى أعظم مفارقات التربية: ما نفعله بالطفل اليوم قد يصبح، بصورة ما، جزءًا من الطريقة التي سيعامل بها العالم غدًا.

الأطروحة المركزية

يمكن اختزال البحث كله في أطروحة واحدة: الإنجاب فعل اختياري مشروع في الأصل، لكن اختياره يُنشئ مسؤولية غير اختيارية تجاه كائن إنساني لم يشارك في قرار وجوده؛ ولذلك فإن معيار الأخلاق لا ينبغي أن يكون مجرد القدرة على الإنجاب، وإنما الاستعداد لتحويل هذه القدرة إلى رعاية واعية تحمي الطفل وتدعم نموه، وتحوّله تدريجيًا من كائن يعتمد على الآخرين إلى ذات مستقلة قادرة على إدارة حياتها.

ومن هنا يصبح الفرق جوهريًا بين أن تُنجب طفلًا، وأن تكون والدًا. الأول حدث بيولوجي، أما الثاني فهو مشروع نفسي وأخلاقي وتربوي واجتماعي طويل الأمد.

خاتمة: الطفل هو السؤال الذي يأتي بعد قرار الوالدين

ربما آن الأوان لأن نعيد التفكير في الخطاب الاجتماعي الذي يمجّد الإنجاب لذاته. فليست المشكلة في أن ينجب الإنسان أطفالًا، وليست القضية في أن يمتنع عن الإنجاب. القضية الأعمق هي: ما الذي يفعله الإنسان بعد أن يقرر أن ينشئ حياة أخرى؟

فالإنجاب يمنح الوالدين سلطة هائلة: سلطة التأثير في بيئة إنسان لم يختر أن يكون فيها. وهذه السلطة لا تصبح أخلاقية بمجرد أن نسميها «أبوة» أو «أمومة»؛ إنها تصبح أخلاقية عندما تتحول إلى رعاية، وحماية، وحدود، واحترام، واستجابة، وتعليم، وإتاحة للاستقلال.

ولهذا ربما ينبغي أن نعيد صياغة إحدى أكثر العبارات شيوعًا في ثقافتنا: الإنجاب ليس إنجازًا في ذاته. الإنجاز الحقيقي هو أن يأتي طفل إلى العالم، ثم يجد فيه من يساعده على أن يصبح إنسانًا سليمًا، مستقلًا، قادرًا على الحب، وعلى التفكير، وعلى تحمل المسؤولية، وعلى ألا ينقل جراحه إلى الجيل الذي يليه.

فالطفل لم يطلب أن يولد؛ لكننا، عندما نختار أن نجعله موجودًا، نتحمل مسؤولية أن نجعل وجوده أكثر من مجرد بقاء: نتحمل مسؤولية أن نمنحه فرصة حقيقية للنمو والكرامة والإنسانية.

 

المراجع (بنمط APA)

Ainsworth, M. D. S., Blehar, M. C., Waters, E., & Wall, S. (1978). Patterns of attachment: A psychological study of the strange situation. Lawrence Erlbaum.

Baumrind, D. (1991). The influence of parenting style on adolescent competence and substance use. Journal of Early Adolescence, 11(1), 56–95.

Beck, U. (1992). Risk society: Towards a new modernity. Sage Publications.

Benatar, D. (2006). Better never to have been: The harm of coming into existence. Oxford University Press.

Bowlby, J. (1969). Attachment and loss: Vol. 1. Attachment. Basic Books.

Bronfenbrenner, U. (1979). The ecology of human development: Experiments by nature and design. Harvard University Press.

Feinberg, J. (1980). The child's right to an open future. In W. Aiken & H. LaFollette (Eds.), Whose child? Children's rights, parental authority, and state power (pp. 124–153). Rowman & Littlefield.

Felitti, V. J., Anda, R. F., Nordenberg, D., Williamson, D. F., Spitz, A. M., Edwards, V., Koss, M. P., & Marks, J. S. (1998). Relationship of childhood abuse and household dysfunction to many of the leading causes of death in adults: The Adverse Childhood Experiences (ACE) Study. American Journal of Preventive Medicine, 14(4), 245–258.

Giddens, A. (1991). Modernity and self-identity: Self and society in the late modern age. Stanford University Press.

Kant, I. (1993). Grounding for the metaphysics of morals (J. W. Ellington, Trans.). Hackett Publishing. (Original work published 1785)

Masten, A. S. (2001). Ordinary magic: Resilience processes in development. American Psychologist, 56(3), 227–238.

O'Neill, O. (1988). Children's rights and children's lives. Ethics, 98(3), 445–463.

Perry, B. D., & Szalavitz, M. (2006). The boy who was raised as a dog: And other stories from a child psychiatrist's notebook. Basic Books.

Sameroff, A. (Ed.). (2009). The transactional model of development: How children and contexts shape each other. American Psychological Association.

Shonkoff, J. P., & Phillips, D. A. (Eds.). (2000). From neurons to neighborhoods: The science of early childhood development. National Academy Press.

Trevarthen, C. (1979). Communication and cooperation in early infancy: A description of primary intersubjectivity. In M. Bullowa (Ed.), Before speech: The beginning of interpersonal communication (pp. 321–347). Cambridge University Press.

Winnicott, D. W. (1965). The maturational processes and the facilitating environment. International Universities Press.

Comentarios

Entradas populares de este blog

El Estadio del Espejo: La Construcción del Yo y la Alienación en la Teoría Psicoanalítica de Jacques Lacan

El Modelo Sistémico: Aportes de Paul Watzlawick y Gregory Bateson en la Comunicación y la Psicoterapia

Las Corrientes Psicodinámicas: Aportaciones de Freud, Reich, Bowlby y Hartmann